الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
53
نفحات الولاية
« القياس » ؛ أي قياس صفات اللَّه بصفات المخلوقات المفعمة بأنواع النقص والعيب ، أو الاعتقاد بالصفات الزائدة على الذات ؛ الورطة التي وقعت فيها الأشاعرة « فرقة من المسلمين » . « 1 » ولذلك أردف الإمام عليه السلام قائلًا : « لشهادة كل صفة - من الممكنات - أنّها غير الموصوف وشهادة كل موصوف - من الممكنات - أنّه غير الصفة » . فكلامه عليه السلام دليل واضح وجلي في أنّ الصفات الزائدة على الذات تشهد بلسان حالها أنّها غير الموصوف ، وكل موصوف يشهد بأنّه ليس من الصفات ، اللّهم إلّا أن نقول بأنّ صفاته عين ذاته ، ونؤمن بأنّ اللَّه ذات جميعها علم وجميعها قدرة وجميعها حياة وأزلية وأبدية ، وإن كان إدراك مثل هذا الاعتقاد متعذر علينا نحن المخلوقات الذين أنسنا بصفات المخلوق فقط ونرى أنّ الإنسان شيء وعلمه وقدرته شيئاً مضافاً للذات زائداً عليها ، لأننا نلد من أمهاتنا وليس لنا من علم وقدرة ثم نحصل عليها لاحقاً . ثم يواصل الإمام عليه السلام خطبته ويردفها بعبارة قصيرة إلّاأنّها عميقة المعنى فيقول : « فمن وصف اللَّه سبحانه فقد قرنه ومن قرنه فقد ثناه ومن ثناه فقد جزأه ومن جزأه فقد جهله » . فالواقع أنّ كلام الإمام عليه السلام يفيد أن اثبات الصفات التي تتصف بها المخلوقات للَّهيستلزم التركب في وجوده سبحانه ؛ أي كما أنّ المخلوق - الإنسان - مركب من الذات والصفات فان اللَّه مركب كذلك ؛ بينما لا ينسجم هذا المعنى وواجب الوجود ، لأنّ كل مركب يحتاج إلى أجزائه والحاجة تتناقض والغنى المطلق لواجب الوجود .
--> ( 1 ) الأشاعرة هم أتباع « أبو الحسن الأشعري » الذين يؤمنون بالمعاني ، والمراد بالمعاني هو أن مفهوم الصفات من قبيل العالمية والغالبية و . . . كالذات الإلهية قديمة أزلية ، كما أنّها في نفس الوقت غير الذات الإلهية ، وعليه فهم يعتقدون بأزلية بعض الأشياء ، بعبارة أخرى يقولون بتعدد القدماء ، وهى العقيدة التي تتنافى تماماً والوحدانية الخالصة ، ولذلك ينفي أتباع أهل البيت عليهم السلام - على ضوء ما تلقوه عنهم من تعاليم كالذي جاء في هذه الخطبة وسائر خطب نهج البلاغة وكلمات أئمة العصمة عليهم السلام - هذه المعاني التي تمثل الصفات الزائدة على الذات ، وقد أشارت العبارة « لا شريك له ولا معاني » لهذا الأمر .